ابن كثير
180
البداية والنهاية
المسلمون فافترقوا فرقتين ، ففرقة ذهبت إلى بلاد الخزر . وفرقة سلكوا ناحية جيلان وجرجان ، وفي هؤلاء أبو هريرة وسلمان الفارسي . وأخذت الترك جسد عبد الرحمن بن ربيعة - وكان من سادات المسلمين وشجعانهم - فدفنوه في بلادهم فهم يستسقون عنده إلى اليوم ، ولما قتل عبد الرحمن بن ربيعة استعمل سعيد بن العاص على ذلك الفرع سلمان بن ربيعة ، وأمدهم عثمان بأهل الشام عليهم حبيب بن مسلمة ، فتنازع حبيب وسلمان في الامرة حتى اختلفا ، فكان أول اختلاف وقع بين أهل الكوفة وأهل الشام ، حتى قال في ذلك رجل من أهل الكوفة وهو أوس ( 1 ) : فإن تضربوا سلمان نضرب حبيبكم * وإن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل وإن تقسطوا فالثغر ثغر أميرنا * وهذا أمير في الكتائب مقبل ونحن ولاة الثغر كنا حماته * ليالي نرمي كل ثغر وننكل وفيها فتح ابن عامر مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان . فأما مرو الروذ فبعث إليهم ابن عامر الأحنف بن قيس فحصرها فخرجوا إليه فقاتلهم حتى كسرهم فاضطرهم إلى حصنهم ، ثم صالحوه على مال جزيل وعلى أن يضرب على أراضي الرعية الخراج ، ويدع الأرض التي كان اقتطعها كسرى لوالد المرزبان ، صاحب مرو ، حين قتل الحية التي كانت تقطع الطريق على الناس وتأكلهم ، فصالحهم الأحنف على ذلك ، وكتب لهم كتاب صلح بذلك ( 2 ) ، ثم بعث الأحنف الأقرع بن حابس إلى الجوزجان ففتحها بعد قتال وقع بينهم ، قتل فيه خلق من شجعان المسلمين ، ثم نصروا فقال في ذلك أبو كثير النهشلي قصيدة طويلة فيها : سقى مزن السحاب إذا استهلت * مصارع فتية بالجوزجان إلى القصرين من رستاق خوط * أبادهم هناك الأقرعان ثم سار الأحنف من مرو الروذ إلى بلخ فحاصرهم حتى صالحوه على أربعمائة ألف ، واستناب ابن عمه أسيد بن المشمس ( 3 ) على قبض المال ، ثم ارتحل يريد الجهاد ، وداهمه الشتاء فقال لأصحابه : ما تشاؤون ؟ قالوا : قد قال عمرو بن معد يكرب : إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع فأمر الأحنف بالرحيل إلى بلخ فأقام بها مدة الشتاء ، ثم عاد إلى عامر فقيل لابن عامر ما فتح على أحد ما فتح عليك ، فارس وكرمان وسجستان وعامر خراسان ، فقال : لا جرم ، لأجعلن شكري لله على ذلك أن أحرم بعمرة من موقفي هذا مشمرا فأحرم بعمرة من نيسابور ، فلما قدم على
--> ( 1 ) أوس بن مغراء . ( 2 ) ذكر الطبري نص كتاب الأحنف في تاريخه 5 / 81 . ( 3 ) في الطبري : المتشمس .